الشيخ محمد النهاوندي
206
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
العهد . فخرج كعب بن أشرف - أحد رؤساء بني النّضير - في أربعين راكبا إلى مكة ، وحالفوا قريشا على قتال النبي صلّى اللّه عليه وآله ، فلمّا رجع كعب إلى المدينة نزل جبرئيل على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله ، وأخبره بنقض بني النّضير عهدهم ، وتعاهدهم قريشا على قتاله ، فأمر النبي صلّى اللّه عليه وآله محمد بن مسلمة الأنصاري ، وكان أخا كعب بن أشرف من الرّضاعة أن يقتله غيلة ، فأتاه ليلا فاستخرجه من بيته ، وقال : إنّي أتيتك لاستقرض منك شيئا من التمر ، فخرج إليه فقتله ، ورجع إلى النبي صلّى اللّه عليه وآله وأخبره ، ففرح به ، لأنّه أضعف قلوبهم « 1 » . وفي بعض الأخبار : أنّه صلّى اللّه عليه وآله ذهب إلى بني النّضير في نفر من أصحابه ، للاستعانة منهم في دية ، فقالوا : نعم يا أبا القاسم حتّى تطعم وترجع بحاجتك ، وكان صلّى اللّه عليه وآله جالسا إلى جنب جدار من بيوتهم ، فخلا بعضهم ببعض وقالوا : إنّكم لن تجدوا الرجل على مثل تلك الحالة ، فهل من رجل يعلو على هذا البيت فيلقي عليه صخرة فيريحنا منه ؟ فقال عمرو بن جحّاش - أحد ساداتهم - : أنا لذلك . فقال لهم سلّام بن مشكم - أحد ساداتهم - : لا تفعلوا ، واللّه ليخبرنّ بما هممتم به ، إنّه لنقض للعهد الذي بيننا وبينه . فلمّا صعد الرجل ليلقي الصخرة أتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله الخبر من السماء بما أراد القوم ، فقام صلّى اللّه عليه وآله مظهرا أنّه يقضي حاجته ، وترك أصحابه في مجالسهم ، ورجع مسرعا إلى المدينة ، ولم يعلم من كان معه من أصحابه ، فلمّا استبطؤوه قاموا في طلبه ، فلقوا رجلا مقبلا من المدينة ، فسألوه فقال : رأيته داخل المدينة . فأقبل أصحابه حتّى انتهوا إليه ، فأخبرهم بما أرادت بنو النّضير ، فندم اليهود ، وقالوا : قد اخبر بما أردنا ، فأرسل محمد بن مسلمة إليهم : أن اخرجوا من بلدي - وهم كانوا في قرية زاهرة من أعمال المدينة - فلا تساكنوني بها ، فلقد هممتم بما هممتم من الغدر . فسكتوا ولم يقولوا حرفا ، فأرسل إليهم المنافقون أن أقيموا في حصونكم فإنّا نمدّكم . فأرسل حيي بن أخطب - أحد رؤسائهم - إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : إنّا لا نخرج من ديارنا ، فافعل ما بدا لك . اغترارا بقول المنافقين ، فسار رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله مع أصحابه إليهم راكبا على حمار مخطوم بليف ، وحمل رايته علي بن أبي طالب صلّى اللّه عليه وآله حتى نزل بهم وصلّى العصر بفنائهم ، وقد تحصّنوا وقاموا على حصنهم يرمون بالنّبال والحجارة ، وزرّبوا « 2 » على الأزقّة وحصّنوها ، فحاصرهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله إحدى
--> ( 1 ) . تفسير روح البيان 9 : 416 . ( 2 ) . أي اتخذوا الزرائب ، جمع زريبة : الحفرة . ولعلّه تصحيف ( ودرّبوا ) على ما سيأتي لاحقا عن تفسير الرازي .